سيد قطب

647

في ظلال القرآن

والآن نجيء إلى النص الأخير في هذه الفقرة ؛ وهو ينظم التصرف في عقود الولاء التي سبقت أحكام الميراث . هذه الأحكام التي حصرت الميراث في القرابة . بينما عقود الولاء كانت تجعلها كذلك في غير القرابة على ما سيأتي بيانه : « وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ؛ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ . إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً » . . بعد أن ذكر أن للرجال نصيبا مما اكتسبوا ، وللنساء نصيبا مما اكتسبن . . وبين - فيما سلف - أنصبة الذكور والإناث في الميراث . . ذكر أن اللّه جعل لكل موالي من قرابته يرثونه . يرثونه مما آل إليه من الوالدين والأقربين . . فالمال يظل يتداول بهذا الإرث جيلا بعد جيل . يرث الوارثون ثم يضمون إلى ميراثهم ما يكتسبون ؛ ثم يرثهم من يلونهم من الأقربين . . وهي صورة تمثل دورة المال في النظام الإسلامي ؛ وأنها لا تقف عند جيل ؛ ولا تتركز في بيت ولا فرد . . إنما هو التوارث المستمر ، والتداول المستمر ، وحركة التوزيع الدائبة ؛ وما يتبعها من تعديل في المالكين ، وتعديل في المقادير ، بين الحين والحين . . ثم عطف على العقود ، التي أقرتها الشريعة الإسلامية ؛ والتي تجعل الإرث يذهب أحيانا إلى غير الأقرباء . . وهي عقود الموالاة . . وقد عرف المجتمع الإسلامي أنواعا من هذه العقود : الأول عقد ولاء العتق ، وهو النظام الذي يصبح بمقتضاه الرقيق - بعد عتقه - بمنزلة العضو في أسرة مولاه ( مولى العتق ) فيدفع عنه المولى الدية ، إذا ارتكب جناية توجب الدية - كما يفعل ذلك حيال أقربائه من النسب - ويرثه إذا مات ولم يترك عصبة . . والثاني عقد الموالاة . وهو النظام الذي يبيح لغير العربي - إذا لم يكن له وارث من أقاربه - أن يرتبط بعقد مع عربي هو ( مولى الموالاة ) . فيصبح بمنزلة عضو في أسرة مولاه . يدفع عنه المولى الدية - إذا ارتكب جناية توجب الدية - ويرثه إذا مات . والنوع الثالث ، هو الذي عقده النبي - صلى اللّه عليه وسلم - أول العهد بالمدينة ، بين المهاجرين والأنصار . فكان المهاجر يرث الأنصاري ، مع أهله - كواحد منهم - أو دون أهله إن كانوا مشركين فصلت بينهم وبينه العقيدة . . والنوع الرابع . . كان في الجاهلية ، يعاقد الرجل الرجل ، ويقول : « وترثني وأرثك » . . وقد جعل الإسلام يصفي هذه العقود ؛ وبخاصة النوعين الثالث والرابع . بتقرير أن الميراث سببه القرابة . والقرابة وحدها . ولكنه لم يبطل العقود التي سبق عقدها . فأمضاها على ألا يجدد سواها . وقال اللّه سبحانه : « وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ » . وشدد في هذا وأشهد اللّه على العقد وعلى التصرف فيه : « إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً » . . وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « لا حلف في الإسلام . وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة » ( رواه أحمد ومسلم ) . وقد سار الإسلام في تصفية هذه العقود سيرته في كل ما يتعلق بالأنظمة المالية ، في علاجه لها - بدون أثر رجعي - فهكذا صنع في الربا حين أبطله . أبطله منذ نزول النص ، وترك لهم ما سلف منه ؛ ولم يأمر برد